ابن أبي أصيبعة

217

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

العلة التي لم تعرض لأحد من ولد أبي غير إسماعيل بن موسى أمير المؤمنين ومحمد بن صالح المسكين وإنما عرضت لمحمد لأن أمه كانت رومية وأم أبيه كانت كذلك وكانت أم إسماعيل رومية وأنا فلم تلدني رومية فما العلة عندك في عرض هذه العلة لي فعلمت أنه كان حفظ عن أمه قول عيسى أبي قريش في المهدي وولده أنه لا يعرف لعقبة الفالج إلا أن يبذروا بذورهم في الروميات وأنه قد أمل أن يكون الذي به فالجا لا عارض الموت فقلت لا أعرف لإنكارك هذه العلة معنى إذ كانت أمك التي قامت عنك دنباوندية ودنباوند أشد بردا من كل أرض الروم فكأنه تفرج إلى قولي وصدقني وأظهر السرور بما سمع مني ثم توفي في وقت طلوع الفجر من يوم الجمعة لتسع خلون من شهر رمضان قال يوسف وحدثني إبراهيم بن المهدي أن لحم عيسى بن جعفر بن المنصور كثر عليه حتى كاد أن يأتي على نفسه وأن الرشيد اغتم لذلك غما شديدا أضر به في بدنه ومنعه لذة المطعم والمشرب وأمر جميع المتطببين بمعالجته فكلهم دفع أن يكون عنده في ذلك حيلة فزادوا الرشيد غما إلى ما كان عليه منه وأن عيسى المعروف بأبي قريش صار إلى الرشيد سرا فقال له يا أمير المؤمنين إن أخاك عيسى بن جعفر رزق معدة صحيحة وبدنا قابلا للغذاء أحسن قبول وجميع الأمور جارية له بما يحب فليس يتمنى شيئا إلا تم له على أكثر مما يحبه وقد وقي موت أحبته ودخول النقص في ماله والظلم من ناحية سلطانه والاستقصاء عليه والأبدان متى لم تختلط على أصحابها طبائعهم وأحوالهم فتنالهم العلل في بعض الأوقات والصحة في بعضها والغموم في بعضها والسرور في بعضها ورؤية المكاره في بعضها والمحاب في بعضها وتدخلها الروعة أحيانا والفرح أحيانا لم يؤمن على صاحبها التلف لأن لحمه يزداد حتى تضعف عن حمله العظام وحتى يغمر فعل النفس وتبطل قوى الدماغ والكبد ومتى كان هذا عدمت الحياة وأخوك هذا إن لم تظهر موجدة عليه أو تغير له أو تقصده بما ينكي قلبه من حيازة مال أو أخذ عزيز عليه من حرمه لم آمن عليه تزايد هذا الشحم حتى يتأتي على نفسه فإن أحببت حياته فافعل ذلك به وإلا فلا أخ لك فقال الرشيد أنا أعلم أن الذي ذكرت على ما قلت غير أنه لا حيلة عندي في التغير له أو غمه بشيء من الأشياء فإن تكن عندك حيلة في أمره فاحتل بها فإني أكافئك عنه متى رأيت لحمه قد انحط بعشرة آلاف دينار وآخذ لك منه مثلها فقال عيسى عندي حيلة إلا أني أتخوف أن يعجل على عيسى بالقتل فتتلف نفسي فليوجه معي أمير المؤمنين خادما جليلا من خدمه ومعه جماعة يمنعونه مني إن أمر بقتلي ففعل ذلك به وسار إليه فجسه وأعلمه أنه يضطر إلى مجسة عرقه ثلاثة أيام قبل أن يذكر له شيئا من العلاج فأمره عيسى بالانصراف والعود إليه ففعل ذلك وعاد في اليوم الثاني والثالث فلما فرغ من مجسة عرقه قال له إن الوصية مباركة وهي غير مقدمة